الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
128
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هدى ورحمة لأن دليل حقانيته كامن في عظمة محتواه ! هدى ورحمة لأنه يهدي إلى سبيل الحق ويدل عليه ! . وذكر " المؤمنين " هنا خاصة . . هو لما ذكرناه آنفا من أنه ما لم تتوفر مرحلة من الإيمان في الانسان ، وهي مرحلة الاستعداد لقبول الحق والتسليم لله ، فإنه لا يستطيع الاستفادة من هذا المصدر الإلهي الفياض . وحيث أن جماعة من بني إسرائيل وقفت بوجه القرآن والحقائق الواردة فيه ، لأوامر الله ، فإن الآية التالية تقول في شأنهم : إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم . وبالرغم من أن هذه الآية لم تصرح بأن قضاء الله بينهم سيكون يوم القيامة . . . إلا أنه بقرينة آيتين أخريين تتحدثان عن اختلافات بني إسرائيل ، وأن الله يقضي بينهم يوم القيامة ، يتضح أن مراد الآية محل البحث هو هذا المعنى ذاته . ففي الآية ( 17 ) من سورة الجاثية يقول سبحانه : إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . كما ورد في ذيل الآية ( 93 ) من سورة يونس ، هذا النص المتقدم نفسه . ووصف الله " بالعزيز " و " العليم " إشارة إلى ما ينبغي توفره في القاضي من هاتين الصفتين ، " العلم " بصورة كافية و " القدرة " على إجراء الحكم ، والله سبحانه أعلم من الجميع وأعزهم . وهذا الكلام إضافة إلى أنه يبين عظمة القرآن ، وهو تهديد لبني إسرائيل ، فهو في الوقت ذاته تسلية عن قلب النبي وتسرية عنه ، لذا فالآية التالية تقول : فتوكل على الله . توكل على الله العزيز الذي لا يغلب ، والعليم بكل شئ . . توكل على الله الذي أنزل القرآن على عظمته فجعله عندك ، فتوكل عليه ولا تقلق من المشركين والمعاندين ، لأنه يرعاك وإنك على الحق المبين . وهنا ينقدح هذا السؤال ، وهو : إذا كان القرآن حقا مبينا فلماذا خالفوه ؟